أحمد أمين
80
كتاب الأخلاق
عقل الإنسان هو أساس الأخلاق ، ولسنا في حاجة إلى تعلم قواعد للسلوك تكتسب من الملاحظة والتجربة والتربية ، بل إن عقلنا يعلمنا ويأمرنا فورا بما ينبغي أن نعمل ، وذكر أن عقلنا يأمرنا باتباع مبدأ سماه « الأمر المطلق » أي الذي لا استثناء فيه ، وهو « اعمل فقط العمل الذي يمكنك أن تريد أن يكون عاما » ، أي اعمل ما تحب أن كل أحد غيرك يعمله ، فالسرقة محرمة لأنك لا تحب أن يسرق كل الناس ولو سرقوا كلهم ما كانت ملكية ، والكذب محرم لأن الناس كلهم لو كذبوا ما كان تفاهم ، وأنت لا تحب أن الناس كلهم يكذبون ، وتسديد الدين واجب لأنه يمكن أن يكون عاما ، وأنت تحب أن يسدد كل الناس ديونهم ، ومن أجل هذا حرم عليك السرقة والكذب ووجب تسديد الديون ، وقال : إن هذا المبدأ يحمل سلطانه معه ، أي أنه في نفوس الناس وطبيعتهم ، ومنه يمكننا أن نعرف كل ما ينبغي أن يعمل وما ينبغي أن يترك . ونحن لو أخضعنا إرادتنا لهذه الروح الأخلاقية التي فينا وجرينا على هذا المبدأ دائما ولو خالف ميولنا فقد أدينا ما علينا من الواجب وسرنا سيرا أخلاقيا . وقد اعترض على مذهب اللقانة هذا - القائل بوجود غريزة في الإنسان يميز بها الخير من الشر كالحاسة التي يميز بها بين الألوان والأصوات - بأن الناس يختلفون في الحكم على الأشياء اختلافا كبيرا حتى في البديهات ؛ ففي أسبارطة كانت تعد السرقة عملا ممدوحا ، ويعد القتل في « داهومي » واجبا من الواجبات ، فكيف يقال بعد إن الناس منحوا غريزة لإدراك الخير والشر مع أنا نراهم لا يختلفون هذا الاختلاف فيما يدرك بالغرائز ، فلا يقول قوم على الأسود : أبيض ، ولا يقول آخرون : إن الاثنين أكبر من الأربعة .
--> - كان يعيش أعزب ، عيشة عقلية ميكانيكية في شارع هادىء بعيد عن شوارع « كونسبرج » تلك المدينة القديمة في الشمال الشرقي من حدود جرمانيا ، ولست أظن أن ساعة كاتدرائية هذه المدينة كانت أضبط في سيرها من مواطنها « كانت » ؛ فقيامه من نومه وشربه لقهوته وكتابته ومحاضرته وأكله ومشيه لكل منها زمن محدود ، وكان جيرانه يعلمون أن الساعة يجب أن تكون الرابعة والنصف بالضبط حينما يرونه خارجا من منزله في معطفه الرمادي وبيده عصاه يتمشى بين أشجار الزيزفون في الشارع الذي سمي بعده « ممشى الفيلسوف » ، كان يمشيه ثماني مرات روحة وجيئة كل يوم في كل فصل من فصول السنة ، وإذا ساء الجو وأنذر السحاب بالمطر ترى خادمه الهرم يتبعه متأبطا مظلة كبيرة .